فرقة رضا .. عندما أصبح للرقص مكان في البيت المصري

كتب:إلهام الجمال

معها تذوقنا جيل بعد آخر طعم الفلكولور المصري الأصيل، وعشقنا الرقص الشعبي، واستمتعنا بالأغاني الشعبية الجميلة. فلم ننسى إلى الآن ” العتبة قزاز والسلم  نيلوه ف نيلوه .. وعلى نور العين مسيلى يا قمر” و لازلنا نردد معهم “الاقصر بلدنا بلد سواح فيها الاجانب تتفسح .. وكل عام وقت المرواح بتبقى مش عايزه تروح”

محمود وعلى رضا مع فريدة ونجيدة فهمي، رباعي رائع استطاعوا أن يؤسسوا معاً “فرقة رضا” التي وبرغم مرور السنوات واختلاف الزمن وتبدل الأحوال لازالت هي أول ما يتبادر إلى ذهن كل منا عندما يحين الحديث عن الرقص الشعبي في مصر ..

أن تكتب عن فرقة رضا دون أن تتحدث عن مؤسسها الرائع محمود رضا يعد أمر مستحيل فهو والفرقة كل لا يتجزأ، توأم ملتصق إذا إنفصل أحدهما عن الآخر مات، لذلك ماتت الفرقة تقريباً عندما تم إبعاد محمود رضا عنها .. محمود الذي رفض أن تحكم عليه وزارة الثقافة بالاعدام، ذلك الحكم الذي جاء مختبئاً في قرار إحالته إلى المعاش وإقصائه عن الفرقة التي عاش بها ولها ومعها أغلب سنوات عمره .

2013-10-08_00444

ففي الأربعينيات عندما وقع محمود رضا في غرام الرقص بسبب شقيقه الأكبر على رضا- الذي كان يؤدي بعض الاستعراضات في السينما فى تلك الفترة – قرر محمود أن يلتحق بمدرسة الباليه وعمره 17 سنه بينما زملائه في المدرسه لا تتجاوز أعمارهم السبع سنوات وفي نفس الوقت كان يدرس بالجامعة ويعمل موظف بهيئة الطيران، حينها شاهد فرقة رقص أرجنتينية تقدم عروضها في أوبرج القاهرة عندها طلب الالتحاق بها فوافق مديرها وبالفعل اشترك محمود فى عروضهم المختلفة وسافر معهم إلى روما وباريس لكن بعد فترة ظل سؤال يطارده وبقوة  وهو:

لماذا اؤدى رقصات فلكلورية لشعب آخر ؟ لماذا لا أرقص الفلكلور المصرى ؟

7c05dacb5e0c525e6cec51f63abe0dc6وكان هذا السؤال سببا في تكوين فرقة رضا لتكون أول فرقة مصرية تؤدي الرقصات الشعبية وهو الأمر الذي كان أقرب إلى المستحيل في منتصف الخمسينات لأن فكرة الشعب المصري عن الرقص كانت سيئة جدا ومرتبطة بالعري والانحلال. لذلك قرر محمود أن يصنع رقصا بلا عرى .

فطاف مدن مصر واستطاع أن يجمع 400 رقصه شعبية اعتمد عليها في تصميم رقصات العروض المختلفة واصبحت فريدة فهمي زوجة أخيه على  بطلة الفرقة أمامه، بينما تولى على الأمور الإدارية ونجيدة فهمي اخت فريدة وزوجة محمود كانت مسئولة عن تصميم  وصنع ملابس الفرقة التي قدمت أول عروضها في أغسطس عام 1956 لتنطلق إلى أشهر مسارح العالم وتشارك في أكبر المهرجانات الدولية وتحصد الجوائز العالمية ويحضر عروضها أشهر زعماء العالم بل وتقتحم عالم السينما لتؤرخ لفنها وتحفظ رقصاتها في ذاكرة التاريخ عبر ثلاثة أفلام كانت ولا تزال من أجمل ما عرض على الشاشة الفضية.

اعتزل محمود الرقص في عام 1972 وتفرغ لتصميم الرقصات وتولى مسئوليات الفرقة التي أرهقته، لذلك وفي
عام 1990 قرر أن يبتعد هو قبل أن يتم استبعاده فلم يتخيل أبداً أن يتم التعامل معه كموظف، مجرد موظف يتم إنهاء خدمته وفقاً للقوانين كغيرة دون النظر إلى كونه صاحب الفرقة ومؤسسها ومصمم رقصاتها وفنانها الأول.42df2248479e62460b62678a36eaba4d

لذلك قرر أن يبتعد بما تبقى في داخله من أمل ليسافر رحاله بين مدن العالم المختلفه يدرّس الرقص ويصمم الرقصات لشعوب أخرى قدرت قيمته واعترفت بقدراته التي قهرت سنوات عمره التى تقترب الآن من الثمانين.

في مكتبه بشارع قصر النيل ذلك المكتب الذي عاش فيه محمود رضا نصف عمره وشهد أحلامه وحواراته مع رفقاء العمر وشركاء الرحلة كما شهد تصميماته للرقصات المختلفه وبروفات فرقته بكل صخبها وجنونها المحبب ..

هناك  وفي لقاء جمعني به منذ سنوات اعترف لي محمود رضا بأن أكبر خطأ وقع فيه كان قبوله لعرض الرئيس جمال عبدالناصر – الذي كان من أشد المعجبين بالفرقة في بدايتها – بأن تتولى الدولة الانفاق على الفرقة ليتفرغ محمود وأخيه رضا للأمور الفنية بعد أن كانا يقومان بكل كبيرة وصغيره تخص الفرقة .

تحدث محمود معى حينها عن ذلك القرار فقال ..:

وقتها وافقت وتصورت أن المشاكل  قد انتهت ..لكني لم أتخيل يوماً  أن موافقتي هذه  ستحولنى إلى موظف تطلب منه الحكومة الرحيل بعد 30 سنه بمعاش 360 جنيه فقط

– كيف تقبلت أمر خروجك إلى المعاش بهذه السهولة ..؟

خروجي إلى المعاش لم يكن سيئاً في مجملة فلقد انقذني من دوامة منصبي الإداري كوكيل لوزارة الثقافة ومسئول عن أكثر من ألف موظف لا يفعلون شيئاً سوى إثارة المشاكل .. لذلك شعرت بببعض الراحة لأننى تخلصت من عبأ كان يأخذ من أعصابي وووقتي الكثير دون فائدة .. لكن ما أحزننى هو عدم التقدير الذي تعاملت به فلقد خرجت دون أن يودعني أحد فلقد كنت أتخيل أن الوزاره على الأقل سوف تقيم لي حفل تكريم  كمكافأة معنوية منهم على عطائي المتميز طوال رحلتي .. لكن هذا لم يحدث .101_99

– ردد الكثيرون أنك إبتعد عن الرقص وإعتزلت الحياة بعد إحالتك للمعاش ..؟

أنا لا أهزم بسهولة كما اننى لا استطيع الإبتعاد عن الرقص لذلك أنا الان اقوم بتدريس الرقص  الشعبي في كل دول العالم تقريباً وطوال ال20 عاماص الماضية أصبح لي تلاميذ في جميع أنحاء العالم وهو ما عوضنى كثيراً عما افتقدته من تقدير في بلدي.

ابتعد محمود رضا عن فرقته تاركاً خلفه تراثا شعبيا لم يحميه الاخرون كما يجب فلقد اختلف الاسلوب الادارى ومستوى الراقصين وتعاملوا مع الفن وفقاً لنظام حكومى عقيم  فغاب الابداع لتنحسر الاضواء ويختفى بريق الشهرة وتغيب الفرقة عن الساحة، لكن يظل أرشيفها شاهداً حيا على إبداعها الذي كان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله