حكاية مدفع الإفطار بمصر المحروسة

لمدفع رمضان حكاية بدأت في عام 958 هـ، حيث كان جنود السلطان المملوكي “خوشقدم” يجربون مدفعاً أهداه رجل ألماني للسلطان، وتصادف أن يكون إطلاقه في أول يوم من أيام شهر رمضان، وتحديداً في وقت الغروب، فظن أهالي القاهرة أن سلطانهم قد استحدث هذا الأمر لتنبيههم إلى موعد الآذان .

وفي صباح اليوم التالي توجه نفر من العلماء والأعيان إلى القلعة لمقابلة الحاجة فاطمة زوجة السلطان، وناشدوها أن يستمر إطلاق المدفع طيلة أيام الشهر، لما أضافه لأهالي القاهرة المحروسة من بهجة وفرح، وما مثله لهم من تأهب لسماع صوت أذان المغرب وتناول وجبة الإفطار… وقد وافق السلطان خوشقدم على الفكرة واستحسنها، وأمر بأن يطلق المدفع يوميا طلقة واحدة إيذاناً بالاستعداد لسماع آذان المغرب، واشتهر المدفع باسم الحاجة فاطمة، ليبقي في الذاكرة الشعبية اسم هذه السيدة، وزوجها السلطان الذي أطلق أهالي المحروسة اسمه علي الحي المسمي حوش آدم، والكائن في قلب القاهرة القديمة. وذهب بعض المؤرخين إلي أن مدفع الإفطار منذ هذا التاريخ، أصبح من الطقوس المحببة لدي المصريين، حتى أن حالة من الاستهجان قد أصابتهم، حين حاول بعض السلاطين والولاة إبطال هذه العادة.

 
18582509_1294972160571680_1366830481972211372_n

وقد كتب الزعيم الوطني محمد فريد في مذكراته: إنه في رمضان عام 981 م، أصدر مصطفي فهمي باشا ناظر النظار أي رئيس الوزراء، وناظر الداخلية في نفس الوقت، أمراً بإبطال إطلاق المدفع في المدن، فثار الأهالي، وعدوا ذلك مساسا بالدين، وكتبوا عدة تلغرافات للخديوي للاحتجاج علي هذا الأمر، وبالفعل صدر الأمر الخديوي بتجميد قرار رئيس النظار، وبذلك عادت البهجة إلي نفوس المصريين.

وهكذا استقر مدفع الإفطار في موقعه بالقلعة وتم عام 958 م ، تحويل الأجزاء الخاصة بإطلاقه، من الذخيرة الحية إلي “الفشنك”، وهي عبارة عن كيس من البارود الأسود وزنه 057 جراماً، وتستخدم الشطاطة لإشعال هذه الكمية من البارود، ويصل مرمي المدفع حتى خمسة أمتار لتتناقل أرجاء القاهرة أصداء الطلقة التي يسمعها الأهالي المحيطين بقلعة صلاح الدين، وما تلاها من أحياء ومناطق واقعة في النصف الشرقي من مساحة القاهرة.

وإلى فترة ما قبل دخول الإذاعة كان يتزامن إطلاق مدفع القلعة، مع إطلاق أربعة مدافع أخري في مناطق مصر الجديدة وحلوان ومدينة البعوث، ومدينة نصر، وبدخول الإذاعة ألغيت هذه المدافع، ليبقي مدفع القلعة الوحيد الذي يعمل في رمضان، ويسمعه أهالي مصر من خلال أجهزة الراديو.

كانت في القاهرة خمسة مدافع للإفطار اثنان في القلعة، وواحد في كل من العباسية، وحلوان، ومصر الجديدة، ولكل منها اسم يرمز له، حيث نجد أن مدفع القلعة هو الرئيسي، ويسمى «الحاجة فاطمة» ويقال أنه اشترك في ثلاثة حروب هي تركيا ضد روسيا في شبه جزيرة القرم، وحرب المقاومة الفرنسية لثورة المكسيك، وكذلك محاولات غزو بلاد الحبشة.

وتوقف مدفع الإفطار عن عمله لفترة، وكانت الجماهير تفطر على صوته المسجل في الإذاعة، إلا أنه عاد مرة أخرى بناء على أوامر وزير الداخلية أحمد رشدي الذي أمر بتشغيله ثانية، ومن المكان نفسه فوق سطح القلعة، طول أيام شهر رمضان وخلال أيام عيد الفطر أيضاً.

3067508_normal

وقد اعترضت هيئة الآثار المصرية لأن المدفع يهز جدران القلعة، والمسجد، والمتاحف الموجودة في المكان، ووافقت وزارة الداخلية على نقله مرة أخرى من القلعة إلى جبل المقطم القريب أعلى القاهرة، مما يتيح لكل أبناء العاصمة الكبيرة سماعه.

وعادة ما يبدأ الاستعداد لإطلاق مدفع رمضان قبل الشهر بأيام قليلة، وذلك للتأكد من سلامته، من خلال عدة طلقات تجريبية، ثم يبدأ دخوله في نطاق العمل الفعلي، بدءاً من اليوم الأول من رمضان وحتى تمام الشهر الكريم، وقد جرت العادة أن تكون هناك طلقة يومية مماثلة، إيذاناً بالإمساك والصيام.

ويتكون طاقم المدفع من رئيس وثلاثة مساعدين يتناوبون العمل من طاقم آخر لمدة 24 ساعة، ويكون بجوار المدفع خيمة يقضي فيها الطاقم كل وقته، ولا يترك المدفع، ويقوم بحراسة البارود، وصيانة المدفع بعد الإطلاق مباشرة، وذلك عن طريق قطعة من القماش مبللة بزيت السلاح لتنظيفه من الأتربة، وتتم هذه العملية على مدار العام بشكل دوري كي لا يتعرض لما يعوق تشغيله.

وحالياً يقبع مدفعان كبيران على هضبة المقطم للعمل بالتناوب خلال شهر رمضان، وأيام العيد، بينما لا يزال هناك ثالث يقبع أمام متحف الشرطة في منطقة القلعة، وقد انتقلت هذه العادة بإطلاق مدفع رمضان إلى الكثير من محافظات مصر لأنها تضفي البهجة على هذا الشهر الكريم، ويخصص لكل مدفع مجموعة من صف الضباط الأكفاء حتى لا تتقدم أو تتأخر الأوقات ويكون ذلك تحت إشراف الجهات الأمنية.

وهكذا أخذ المدفع شكل التقليد الثابت والمتكرر، خلال أيام شهر رمضان، كما أن الأجهزة السمعية والمرئية من مذياع وتلفاز تحرص أن تنقل على الهواء مباشرة صوت إطلاق مدفع رمضان… وبقي مدفع الحاجة فاطمة صاحب السبق والمداومة في تنبيه الصائمين، لوقت صلاة المغرب والفجر، أو وقت الإفطار والإمساك.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله